إياك والتلون

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ... أما بعد .

لما قدم أبو مسعود البدري على حذيفة رضي الله عنهما طلب منه أن يوصيه فقال له فيما رواه اللالكائي (120) : "ألم يأتك اليقين ؟

فقال: بلى وعزة ربي فقال: اعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تَعْرِف ما كنت تُنكِر، وأن تُنْكِر ما كنت تَعْرِف , وإياك والتلوُّن في دين الله تعالى , فإن دين الله واحد "

هذه الوصية الجليلة يراد بها أمر محدد هو أن انقلاب مفاهيم المرء , بحيث يستنكر ويستقبح ما كان يعرفه من الحق , ويستحسن ويرتضي ما كان يأباه من الباطل هو أظهر شيء على وقوعه في الضلال المبين .

وذلك أن دين الله واحد , فالحق فيه لا يمكن أن ينقلب باطلا ومنكرا , وكذا يقال في الباطل , لا يمكن أن ينقلب حقًّا ومعروفا .

فمن أنكر ماعرفه من الحق , وعرف ما أنكر من الباطل فقد وقع في التلون الذي حذر منه هذا الصحابي الجليل

والمراد بهذه الوصية:

الثبات على المبدأ الحق , وعدم الرضا بغيره بديلا , كائناَ ما كان , فإن من استيقن أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مِرية فيه , فإن المتعين عليه أن يثبت ولا يحيد , لأن الحيدة عن الحق لا معنى لها إلا اتباع الهوى, كما قال تعالى:

( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ) [القصص:50]

قال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين 1/47) مبيناً معنى الآية :

"فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما , إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به , وإما اتباع الهوى , فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى "

وقد تكاثرت النصوص مؤكدة على أمر الثبات على الحق ولزومه حتى الممات كما في قول الله تعالى:

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( آل عمران : 102)

وقوله سبحانه:

(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) ( الزخرف : 43)

وهو ما ذكره الله تعالى عن سحرة فرعون بعد أن هُدُوا إلى الحق الذي جاء به موسى صلى الله عليه وسلم , فقالوا لفرعون في عتوّه وتجبره:

( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ) (طه : 72)

ودَعَوُا الله أن يثبتهم عليه عند تهديد فرعون لهم بالعذاب :

( ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) (الأعراف : 126)

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن وصية لا يحتاج من أُوصِي بها أن يسأل أحداً بعدها قال:

( قل آمنت بالله ثم استقم ) (رواه مسلم : 62)

فالثبات على الحق وعدم التنازل عنه ـ ولاسيما إذا وقع الزهد فيه من قبل المنتكسين ـ هو ما يجب أن ننشره في المسلمين اليوم،  ونحييه في شبانهم وشيبهم من الذكور والإناث أجمعين .

ولقد بلغت منزلة الثبات على المبدأ الحق درجة عظيمة تقصر أكثر الأعمال عن بلوغها، حيث قال صلى الله عليه وسلم:

( العبادة في الهَرْج كهجرة إلي ) (رواه مسلم 2948)

فهل من عمل أعجب في منزلته من عمل يُجعل كالهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم , التي انقطعت بموته ولم يعد لأحد سبيل إلى التشرف بها إلى قيام الساعة ؟

وإنما بلغ المتعبد في الهرج هذه الدرجة، لأن الحال السائد في أكثر الناس عند الهرج هو الانتكاس والتحول عن المبدأ الحق،  وركوب السبل المخالفة لما أوجبه الله في تلك الحال العصيبة .

بينما انفرد المتعبد في تلك الحال بلزوم المبدأ الذي أُمِر به في النصوص، رغم زهد الأكثرين فيه، ولا يخفى أن من علم الحق ثم تنكبه فقد وعرّض نفسه لأعظم هلكة يمكن أن يقع فيها العبد , إذْ تولى عن الحق بعد علمه به، وذلك أفظع نوع من التولي، لأنه وقع بعد علم بالحق ووصول إليه , بخلاف من كان زائغا من أول أمره، فإن ضلاله ـ مع قبحه ـ لم يكن بعد وقوف على الحق ودراية به، فمن هنا قال الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة 7/187 (35199) : " ما رأيت أحداً أشد تولّياً من قارئ إذا تولَّى "

وذلك أن القارئ قد تولى بعد أن علم الحق وتبيَّنه، ثم تنكَّبه متعمداً، والعياذ بالله , فاللهم ثبتنا على ما مننت به علينا من نعمة الإسلام التي ابتدأتنا بالتفضل للهداية لها، ولا تزغنا عنها , فإنه لا ثبات لنا إلا بتثبيتك، وأنت القائل لنبيك صلى الله عليه وسلم:

( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) (الإسراء : 74)

اللهم يا من يعلم شدة ضعفنا وانعدام حولنا وقوتنا إلا به ثبتنا بالقول الثابت،  وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

التصنيف فوائد حديثية
عدد المشاهدات 311
تاريخ النشر 04/10/2021
شارك المادة

مواد ذات صلة

شرح كتاب الإبانة(المستمر) -المجلس الرابع

كتاب تقصير الصلاة من صحيح البخاري- المجلس الأول

شرح الشريعة للآجري  - المجلس التاسع والعشرون(196 - 204)