جديد الموقع
التعليق على شرح الطحاوية 387-391 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 391-394 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 395-398 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 398-401 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 401-404 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 404-408 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 411-414 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 414-420 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞ التعليق على شرح الطحاوية 420-424 { التعليق على شرح الطحاوية } ۞
تواصل معنا
Separator
القائمة البريدية
Separator

ادخل بريدك الالكتروني

عدد الزوار
Separator
انت الزائر :35704
[يتصفح الموقع حالياً [ 9
الاعضاء :0 الزوار :9
تفاصيل المتواجدون
المادة
Separator

إياك والتلون

 الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ... أما بعد .

لما قدم أبو مسعود البدري على حذيفة رضي الله عنهما طلب منه أن يوصيه فقال له فيما رواه اللالكائي (120) : "ألم يأتك اليقين ؟

فقال: بلى وعزة ربي فقال: اعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تَعْرِف ما كنت تُنكِر , وأن تُنْكِر ما كنت تَعْرِف , وإياك والتلوُّن في دين الله تعالى , فإن دين الله واحد "

هذه الوصية الجليلة يراد بها أمر محدد هو أن انقلاب مفاهيم المرء , بحيث يستنكر ويستقبح ما كان يعرفه من الحق , ويستحسن ويرتضي ما كان يأباه من الباطل هو أظهر شيء على وقوعه في الضلال المبين .

وذلك أن دين الله واحد , فالحق فيه لا يمكن أن ينقلب باطلا ومنكرا , وكذا يقال في الباطل , لا يمكن أن ينقلب حقًّا ومعروفا .

فمن أنكر ماعرفه من الحق , وعرف ما أنكر من الباطل فقد وقع في التلون الذي حذر منه هذا الصحابي الجليل

والمراد بهذه الوصية :

الثبات على المبدأ الحق , وعدم الرضا بغيره بديلا , كائناَ ما كان , فإن من استيقن أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مِرية فيه , فإن المتعين عليه أن يثبت ولا يحيد , لأن الحيدة عن الحق لا معنى لها إلا اتباع الهوى, كما قال تعالى ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ) [القصص:50]

قال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين 1/47) مبيناً معنى الآية :

"فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما , إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به , وإما اتباع الهوى , فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى "

وقد تكاثرت النصوص مؤكدة على أمر الثبات على الحق ولزومه حتى الممات كما في قول الله تعالى ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( آل عمران : 102)

وقوله سبحانه (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) ( الزخرف : 43)

وهو ما ذكره الله تعالى عن سحرة فرعون بعد أن هُدُوا إلى الحق الذي جاء به موسى صلى الله عليه وسلم , فقالوا لفرعون في عتوّه وتجبره : ( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ) (طه : 72) ودَعَوُا الله أن يثبتهم عليه عند تهديد فرعون لهم بالعذاب : ( ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) (الأعراف : 126)

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن وصية لا يحتاج من أُوصِي بها أن يسأل أحداً بعدها قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) (رواه مسلم : 62)

فالثبات على الحق وعدم التنازل عنه ـ ولاسيما إذا وقع الزهد فيه من قبل المنتكسين ـ هو ما يجب أن ننشره في المسلمين اليوم , ونحييه في شبانهم وشيبهم من الذكور والإناث أجمعين .

ولقد بلغت منزلة الثبات على المبدأ الحق درجة عظيمة تقصر أكثر الأعمال عن بلوغها , حيث قال صلى الله عليه وسلم ( العبادة في الهَرْج كهجرة إلي ) (رواه مسلم 2948)

فهل من عمل أعجب في منزلته من عمل يُجعل كالهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم , التي انقطعت بموته ولم يعد لأحد سبيل إلى التشرف بها إلى قيام الساعة ؟

وإنما بلغ المتعبد في الهرج هذه الدرجة , لأن الحال السائد في أكثر الناس عند الهرج هو الانتكاس والتحول عن المبدأ الحق , وركوب السبل المخالفة لما أوجبه الله في تلك الحال العصيبة .

بينما انفرد المتعبد في تلك الحال بلزوم المبدأ الذي أُمِر به في النصوص , رغم زهد الأكثرين فيه , ولا يخفى أن من علم الحق ثم تنكبه فقد وعرّض نفسه لأعظم هلكة يمكن أن يقع فيها العبد , إذْ تولى عن الحق بعد علمه به , وذلك أفظع نوع من التولي , لأنه وقع بعد علم بالحق ووصول إليه , بخلاف من كان زائغا من أول أمره , فإن ضلاله ـ مع قبحه ـ لم يكن بعد وقوف على الحق ودراية به , فمن هنا قال الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة 7/187 (35199) : " ما رأيت أحداً أشد تولّياً من قارئ إذا تولَّى "

وذلك أن القارئ قد تولى بعد أن علم الحق وتبيَّنه , ثم تنكَّبه متعمداً , والعياذ بالله , فاللهم ثبتنا على ما مننت به علينا من نعمة الإسلام التي ابتدأتنا بالتفضل للهداية لها , ولا تزغنا عنها , فإنه لا ثبات لنا إلا بتثبيتك , وأنت القائل لنبيك صلى الله عليه وسلم ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) (الإسراء : 74)

اللهم يا من يعلم شدة ضعفنا وانعدام حولنا وقوتنا إلا به ثبتنا بالقول الثابت , وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز العنقري